دكتور ياسر أبّشر عبد المجيد يكتب : صناعة ثورة الندامة (8)

السودان

الخرطوم : الرآية نيوز

دكتور ياسر أبّشر عبد المجيد يكتب :

صناعة ثورة الندامة (8)

شهد شهر فبراير 2019م أحداثاً جساماً تمخض عنها ما جرى للبشير في 11 أبريل 2019م.. وكلها تؤكد أن الإعداد لإسقاط البشير قامت به قوى خارجية، وهي التي صنعت الثورة، وأن السودانيين الذين طفحوا على السطح إبان المظاهرات وإلى اليوم ما كانوا سوى أدوات ودُمى جرى ويجري تحريكها من الخارج.
وهذا ما يُفَسّر الكيفية، التي فقد فيها السودان استقلال قراره وسيادته منذ أن سقط البشير.


وبالإضافة لما أوردناه في المقالات السابقة عن أدوار دول ومنظمات، ولمزيد إجلاء للصورة نذكر الوقائع الآتية:
– في فبراير 2019م استدعى المرحوم إدريس دِبّي، رئيس تشاد السابق، لإنجمينا شخصاً سودانياً له معه صلة، وقال له: أريدك أن تذهب لصديقنا البشير، وتقل له: إن إدريس يريدك أن تتخذ بعض الإجراءات للمحافظة على حكمك ولاستقرار السودان، وذلك لأن الإسرائيليين ومعهم شخصيات سودانية (أحدهم كان في نظام البشير ائتمنني مصدري على اسمه) يعملون على تقويض حكمك!!
وبالفعل جاء رسول دِبّي للخرطوم، والتقى البشير في القصر، ونقل له وصية دِبّي.
لم يبدِ البشير انزعاجاً، وكانت المظاهرات وقتها في أوجها، وقال للرسول وهو يكتب على ورقة: إن لديه كذا من قوات الجيش، وكذا من قوات الأمن، وكذا من قوات الشرطة، وكذا من قوات الدعم السريع… وسلَّم تلك الأرقام للرسول، وطلب منه أن ينقل لدِبّي شكره على اهتمامه وتعاطفه، ويطمئنه أن الأوضاع تحت السيطرة، فلا ينزعج، وسلمه الورقة التي فيها أرقام القوات المختلفة.
رجع الرسول لدِبّي ومعه الورقة، ونقل له ما ذكره له البشير.
يقول الرجل: إن دِبّي، الذي كان يستمع متكئاً على كنبة، اعتدل في جلسته، وقال للرسول: «أنا أكون ود حرام إذا ما شالوه لو ما عمل إجراءات.. وأنا بمشي ليه براي».
يضيف الرجل: أن دِبّي طلب منه أن يأتي إليه في مكتبه الساعة العاشرة صباح اليوم التالي، وأن يحرص أن يأتي وهو لابس زي سوداني كامل.
يقول الرسول: إنه ذهب بالفعل في الموعد الذي ضربه له دِبّي، وبالهيئة التي طلبها.
وأُدخل على دِبّي ووجد معه أشخاصاً بِيضاً، وقام دِبّي بتعريفهم به كشخص سوداني موثوق وله تأثير في دارفور، وعَرّف الآخرين بأنّهم ضباط كبار في الموساد الإسرائيلي.
يقول الرجل: إن ضباط الموساد تحدثوا عن التغيير الذي سيُحدثونه في السودان.
وقال: إنه سمع في ذلك الاجتماع اسم الأصم (الشاب دكتور الأصم) وإسماعيل التاج (معروف بالتاج أب مُشاط) لأول مرة في حياته، وضباط الموساد يرددون اسميهما!!!
وأضاف: أن ضباط الموساد قالوا له: إنهم لم يلاحظوا وجوداً كثيفاً لأولاد دارفور في المظاهرات، وإنهم يريدون حضوراً كثيفاً لهم فيها!!!
رجع الرجل للخرطوم يوم 27 مارس 2019م، ونقل للبشير رسالة دِبّي الثانية، وما سمعه في الاجتماع مع الموساد.
ويقول: إنه لاحظ أن البشير أبدي اهتماماً أكبر هذه المرة برسالة دِبّي.
وبالفعل قَدِم دِبّي للخرطوم يوم 4 أبريل 2019م.. وفي لقائه بالبشير أعاد تكرار تحذيراته له، التي أرسلها عبر الرسول.. وكلاهما يُكِنّ مودةً لأخيه، وفقاً للرسول، وطلب منه تطبيع علاقته بإسرائيل؛ لأن الإسرائيليين أبلغوه أنهم قادرون على إخماد كل الاحتجاجات إذا طبَّع صديقه علاقته بهم.
كانت النتيجة أن البشير أبلغ دِبّي رفضه لفكرة التطبيع جملةً.
وهكذا عملت إسرائيل عبر عملائها في «قحت»، وكذلك عبر عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو اللذين وجّها أعداداً من العناصر التابعة لهما، كطلب إسرائيل، فجاءوا للخرطوم لتكثير عدد المتظاهرين.. وبالفعل كان وجود تلك العناصر ظاهراً.
وتتحدث تقارير عن تنسيق إسرائيلي مع رجال أعمال للقيام بأدوار تضعف حكومة الإنقاذ.
بعدها التقى دِبّي بمحمد حمدان دقلو (حميدتي) وأفاده أنه يأسف أن يفيده أن نظام البشير قد انتهى، وأنه من الأحْوَط له أن لا يشارك في قمع المظاهرات الجارية!!!
ولعل هذا يفسر تَعَجّل حميدتي لدعم الانقلاب يوم 11 أبريل 2019م.
– وفي فبراير 2019 التقى صلاح قوش بالمليونير مو إبراهيم في أديس أبابا.. ومو معارض للإنقاذ، ويقال: إنه كان من مُمَوّلي الحزب الشيوعي عبر شقيقه فتحي، المقيم بالإسكندرية..
وهنا يقول صلاح مَنّاع: إنه ودكتور عبد الله حمدوك اشتركوا في ذلك الاجتماع.. ولكن رواية مَنّاع تحتاج لتعضيد، كونه اشْتُهِرَ بأنّه وَضّاع «يَضَعُ الحديث السوداني»!!!
لم يُخبر قوش البشير باجتماع أديس..
ومن المعروف عن مو إبراهيم صلته القوية بجهاز المخابرات البريطاني وجهاز المخابرات الفرنسي.
وحول ثقة الفرنسيين بمو إبراهيم، أذكر أنني قرأتُ أنه لدى لقاء حمدوك بماكرون لأول مرة في باريس (30 سبتمبر 2019م)، تُرِكَتْ وزيرة الخارجية أسماء خارجاً وكذلك كل بقية أعضاء الوفد الرسمي المرافق لحمدوك، وانفرد ماكرون بحمدوك ومو إبراهيم في لقاء مُغْلَق!!! ومو ليس له صِفة رسمية في حكومة السودان، لكن كلاً من حمدوك ومو شيوعي.
– في 22 فبراير 2019م ألقى البشير خطابه الأخير بساحة القصر.. وبعد يومين أقال نائبه المخلص بكري حسن صالح وعين ابن عوف نائباً له ووزيراً للدفاع.. وبعدها بأربعة أيام غيَّر تشكيل هيئة قيادة القوات المسلحة، وكان من بين من رَفّعهم الفريق البرهان، الذي أصبح المفتش العام!!
– وفي فبراير 2019م لُوحِظَ توافد أعداد من معارضي الإنقاذ من بريطانيا وأميركا ودول أوروبية، ووصلت رسائل السوشيال ميديا الـمُحَرِّضَة على التظاهر والـمُجَرّمة لقيادات المؤتمر الوطني والإسلاميين عامةً المتدفقة على السودان من الخارج قِمّتها. وبَيّنا في المقال السابق دور «كمبردج أنيليتكا» التي استُؤجرت لتضخيم أعداد الرسائل.
– وفي صباح يوم 11 أبريل 2019م، والتلفزيون والإذاعة يبثان الموسيقى العسكرية، وقبل إذاعة ابن عوف لبيانه، تواصل جهاز مخابرات أجنبي بشخصٍ سوداني وسأله عمّا يعرفه عن الفريق البرهان، والفريق الكباشي.. أخذوا يجمعون معلومات عن كبار قادة الجيش.
– وبعد سقوط البشير بمدة وجيزة اجتمع ياسر عرمان في الإمارات بمحمد دحلان، مستشار محمد بن زايد المكلَّف بمباشرة الشأن السوداني وتطوراته. وقال عرمان لدحلان متسائلاً: لماذا لم تُبعدوا الفريق جلال الشيخ والفريق عمر زين العابدين والفريق شرطة الطيب بابكر من مجلس السيادة وهم من الكيزان؟؟ سأله دحلان: هل هؤلاء كيزان؟ قال: نعم. ودون أن يتحرك من مكانه اتصل دحلان بحميدتي وطلب منه إبعاد الثلاثة من مجلس السيادة . وكتب عرمان نفسه في 19 أبريل 2019 عن ضرورة ” التعامل بِلا تحفظ مع القوي الإقليمية التي لا ترغب في عودة الإسلاميين وذات برنامج واضح في مناهضة الاسلام السياسي…… ولكنها حليف حقيقي ” !!!!
– بعد شهور من إبعاد الثلاثي من مجلس السيادة، طلب حميدتي من مساعديه أن يأتوه بكاتب صحفي شهير كان يعمل مع الإنقاذ، وكان هذا في إطار حملة استهدف بها حميدتي الصحفيين والإعلاميين لحشد الدعم له «وتنظيف» صورته.. أعطى حميدتي ذلك الكاتب الصحفي مائة ألف دولار.. وأثناء الحديث بينهما قال حميدتي للصحفي: إنهم حين أرادوا إخراج جلال الشيخ وعمر زين العابدين والطيب بابكر، أوعزنا لقيادات الاعتصام أن ينظموا حملة هتافات ضد الثلاثي لتكون مبرراً، بدعوى أن الجماهير لا تريدهم.
وهذه تؤكد صدق رواية المصدر عن حديث عرمان مع دحلان.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.

دكتور ياسر أبّشر عبد المجيد
——————————————
23 فبراير 2022

اترك رد