
متابعات – الراية نيوز – في لحظة بدت وكأنها مشهد من فيلم كوميدي، شهدت مدينة قيسان جنوب شرقي ولاية النيل الأزرق حادثة استثنائية حين تسببت عاصفة محمّلة برياح نشطة في تساقط غزير لثمار المانجو على رؤوس المارة والمتسوقين.
لم يكن المشهد مألوفًا بأي حال، فالسماء لم تمطر ماءً بل مانجو، والناس لم تفر هربًا من العاصفة بل من “الخير الهابط”. وعلى إثر هذا الحدث غير المسبوق، أغلقت السلطات السوق الشعبي مؤقتًا في خطوة أثارت موجة من التعليقات الطريفة، وسط وصف شعبي ساخر بأن الإغلاق جاء “لأسباب فاكهية قاهرة”.
مع انهمار الثمار من الأشجار المحيطة، امتلأت أرجاء السوق برائحة المانجو الذكية وألوانها الذهبية، فيما حاول بعض المارة الاحتماء بالمظلات، وآثر آخرون الضحك والتهليل لما اعتبروه رزقًا نزل من السماء بلا مقدمات.
انتشرت الصور ومقاطع الفيديو للحادثة بسرعة على مواقع التواصل، وانهالت التعليقات بروح الدعابة: المانجو التي سئمت الانتظار قررت السقوط بنفسها، والسوق الذي أغلق لا بسبب شغب أو طوارئ، بل بسبب “وفرة مفاجئة”.
وراء هذا المشهد الطريف يكمن واقع زراعي غني ومتقلب. فولاية النيل الأزرق تُعد من أكبر مناطق إنتاج المانجو في السودان، الذي يحتل مرتبة متقدمة عربيًا في إنتاج هذه الفاكهة، بفضل تنوع التربة وملاءمة المناخ وامتداد موسم الزراعة لنحو عشرة أشهر. ومع أن الإنتاج السنوي يلامس حاجز المليون طن من 36 صنفًا مختلفًا، إلا أن ضعف البنية التحتية وانعدام أنظمة التخزين والتسويق الحديثة يؤديان إلى تلف جزء كبير من المحصول، الذي يُلقى جانبًا أو يُستخدم كعلف، في مفارقة مؤلمة لدولة تملك هذا القدر من الخصب.
محاولات فردية لتحسين الإنتاج من خلال مزارع حديثة شمال الخرطوم اصطدمت بجدار الأزمات المتلاحقة، من انقطاع الكهرباء وشح المياه إلى آثار النزاع المسلح، ما جعل الاستمرارية حلمًا صعب المنال.
في قيسان، التي تبعد نحو 178 كيلومترًا عن الدمازين وتفصلها 550 كيلومترًا عن الخرطوم، يتجسد هذا الواقع بوضوح. المدينة التي تستمد خصوبتها من خور تمت المتدفق من المرتفعات الإثيوبية، تعيش على وقع تداخل ساخر بين ثروة طبيعية فريدة وأزمات هيكلية مزمنة.
الواقعة التي أضحكت الناس لم تكن مجرد نكتة موسمية، بل لحظة كاشفة لمدى الحاجة إلى إصلاح حقيقي في قطاع زراعي يملك كل مقومات النجاح، لكنه يفتقر إلى الأدوات التي تمنحه استدامة. فحين تسقط المانجو من السماء وتُغلق الأسواق لا بسبب الفقر بل بسبب كثافة العطاء، تصبح الكوميديا مرآة لواقعٍ أغرب من الخيال.


