متابعات – الراية نيوز – عندما سُئلت عن رأيي في تعيين الدكتور كامل إدريس، فضّلت التريث، مفضلاً أن أتناول المسألة في وقت أراه أنسب. خلال الأشهر الماضية، التزمت الصمت وتجنبت المنصات الإعلامية والندوات، رغم الاحترام العميق لمن دعوني للمشاركة.
لم يكن ذلك تراجعاً عن موقفي، فأنا لم أتردد يوماً في الانحياز لقضايا شعبنا، من ثوراته الأولى إلى نضالاته المعاصرة، لكنني فضّلت الكلمة المدروسة على رد الفعل العاطفي، لأن الكلمة، مثل الحرب، قد تُبقي على ما تبقى أو تأتي على كل شيء.
لقد علّمتني التجربة – بعد أن خضت ثلاث حروب على مستوى قيادي: من 1983 إلى 2005، ومن 2011 إلى 2020، والحرب الراهنة منذ أبريل – أن ما نحتاجه ليس فقط وضوح الرؤية، بل حكمة التعبير. في هذه اللحظة الحرجة، لا بد أن تكون الكلمة أداة للبناء، لا وسيلة للتمزيق، وأن تكون ضوءًا يبدد ظلمات الكراهية والفرقة، لا صوتًا يرسخ الانقسام والخراب.
نعم، يحزنني ما حلّ ببلادي، وما أصاب شعبها من تشريد وقهر واغتصاب وجرائم ترقى إلى مستوى المأساة الإنسانية الكاملة. ومع ذلك، لا يزال في داخلي إيمان لا يتزعزع بهذا الشعب العظيم، الذي ظل ينهض كلما ظنه البعض قد انكسر، شعب لا يغلبه إلا اليأس، ولن يستسلم طالما ظل مؤمناً بنفسه.
أما كامل إدريس، الذي التقيته قبل عشرين عاماً في لقاءات ضمت قادة مثل سلفا كير والإمام الصادق المهدي، فلا أريد الخوض في شخصه، بل في موقعه الجديد. هذا التعيين، وفقاً للوثيقة الدستورية المعدّلة، لا يمنحه سلطة حقيقية، بل يضعه في خانة “الموظف السياسي”، عنوان دون مضمون، واجهة في زمن تُدار فيه البلاد من خلف الستار.
ليس هو رئيس وزراء لحكومة مدنية، بل رئيس وزراء في زمن الحرب. والسؤال الجوهري: هل يملك القدرة أو الرغبة في الدعوة لوقف الحرب؟ هل يرى حماية المدنيين وإنهاء الكارثة الإنسانية أولوية؟ وإن لم تكن هذه على رأس أولوياته، وإن كانت الحرب بالنسبة له “المهمة الأولى”، فما جدوى وجوده؟ وهل سيحظى بأي قبول داخلي أو خارجي في ظل هذه المعادلة المختلة؟
ما أرجوه – وأخشاه في آن – ألا يصبح هذا التعيين حافزاً لطرف آخر، كقوات الدعم السريع، لإعلان حكومة موازية، ما قد يفتح أبواباً جديدة للانقسام والانهيار، ويقود السودان إلى مشهد عبثي قاتم، يعمّق مأساة شعبه ويغرقه في مستنقع الدم والدمار دون أفق واضح للنجاة.



